أحمد زكي صفوت

518

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

لأراملهم وأيتامهم ، اختطاف الذئب الأزلّ « 1 » دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز ، رحيب الصّدر بحمله ، غير متأثّم من أخذه ، كأنك - لا أبا لغيرك « 2 » - حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمّك ، فسبحان اللّه ! أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف نقاش الحساب ؟ أيها المعدود - كان عندنا من أولى الألباب ، كيف تسيغ « 3 » شرابا وطعاما ؟ وأنت تعلم أنك تأكل حراما ، وتشرب حراما ، وتبتاع الإماء ، وتنكح النّساء ، من مال اليتامى ، والمساكين ، والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء اللّه عليهم هذه الأموال ، وأحرز بهم هذه البلاد . فاتّق اللّه واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنك إن لم تفعل ، ثم أمكنني اللّه منك ، لا عذرنّ « 4 » إلى اللّه فيك ، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار ، وو اللّه لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ، ما كانت لهما عندي هوادة ، ولا ظفرا منى بإرادة ، حتى آخذ الحقّ منهما ، وأزيل الباطل عن مظلمتهما ، وإني أقسم باللّه ربى وربك ربّ العزة ما يسرّنى أن ما أخذت من أموالهم حلال لي أدعه ميراثا لعقبى ، فما بال اغتباطك به تأكله حراما ؟ فضحّ رويدا « 5 » ، فكأنك قد بلغت المدى ، ودفنت تحت الثّرى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادى فيه المغترّ بالحسرة ، ويتمنى المضيّع التوبة ، والظالم الرّجعة ، ولات حين مناص » ، والسلام . ( نهج البلاغة 2 : 46 ، والعقد الفريد 2 : 243 ، ومجمع الأمثال للميدانى 2 : 32 )

--> ( 1 ) الذئب الأزل : الخفيف الوركين ، وذلك أشد لعدوه وأسرع لوثبته ، والدامية : المجروحة ، والكسيرة : المكسورة ، والرحيب : الواسع . ( 2 ) كلمة تقال للتوبيخ مع تحامى الدعاء عليه . وحدره : حطه من علو إلى سفل ، والمعنى : جلبت ، والنقاش مصدر ناقش كالمناقشة . ( 3 ) ساغ الشراب يسوغ : سهل مدخله في الحلق ، وأساغه هو ، وساغه يسوغه وساغه يسيغه سوغا وسيغا ، ومن الرباعي قوله تعالى « يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ » . ( 4 ) أعذر : ثبت له عذر . ( 5 ) انظر ص 401 .